سيد محمد طنطاوي

342

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

نذير ينذرها من سوء عاقبة الكفر ، ويدعوها إلى إخلاص العبادة للَّه - تعالى - . فمن أفراد هذه الأمة من أطاعوا هذا النذير فسعدوا وفازوا ، ومنهم من استحب العمى على الهدى ، والكفر على الإيمان فشقوا وخابوا . ثم أضاف - سبحانه - إلى تسليته لرسوله صلَّى اللَّه عليه وسلَّم تسلية أخرى فقال : * ( وإِنْ يُكَذِّبُوكَ ، فَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ . . . ) * . أي : وإن يكذبك قومك يا محمد فلا تحزن ، فإن الأقوام السابقين قد كذبوا إخوانك الذين أرسلناهم إليهم ، كما كذبك قومك . وإن هؤلاء السابقين قد * ( جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ ) * أي : بالمعجزات الواضحات * ( وبِالزُّبُرِ ) * أي : وبالكتب المنزلة من عند اللَّه - تعالى - جمع زبور وهو المكتوب ، كصحف إبراهيم وموسى . * ( وبِالْكِتابِ الْمُنِيرِ ) * أي : وبالكتاب الساطع في براهينه وحججه ، كالتوراة التي أنزلناها على موسى ، والإنجيل الذي أنزلناه على عيسى . قال الشوكاني : قيل : الكتاب المنير داخل تحت الزبر ، وتحت البينات ، والعطف لتغير المفهومات ، وإن كانت متحدة في الصدق . والأولى تخصيص البينات بالمعجزات . والزبر بالكتب التي فيها مواعظ ، والكتاب بما فيه شرائع وأحكام » « 1 » . * ( ثُمَّ أَخَذْتُ الَّذِينَ كَفَرُوا ) * بالعذاب الشديد ، بسبب إصرارهم على كفرهم ، وتكذيبهم لرسلهم . ووضع الظاهر موضع ضميرهم ، لذمهم وللأشعار بعلة الأخذ . والاستفهام في قوله - تعالى - * ( فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ ) * للتهويل . أي : فانظر - أيها العاقل - كيف كان إنكاري عليهم ، لقد كان إنكارا مصحوبا بالعذاب الأليم الذي دمرهم تدميرا ، واستأصلهم عن آخرهم . ثم ذكر - سبحانه - بعد ذلك أدلة أخرى على عظيم قدرته . وبين من هم أولى الناس بخشيته ، ومدح الذين يكثرون من تلاوة كتابه ، ويحافظون على أداء فرائضه ، ووعدهم على ذلك بالأجر الجزيل فقال - تعالى - :

--> ( 1 ) تفسير فتح القدير للشوكاني ج 4 ص 346 .